أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
77
العقد الفريد
فقلت لنفسي : هذا أحد العيدين : الفطر أو الأضحى . ثم رجع إليّ ما عزب من عقلي ، فقلت : خرجت من أهلي في عقب صفر وقد مضى العيدان قبل ذلك ! فبينا أنا واقف أتعجب إذا أتاني رجل فأخذ بيدي فأدخلني بيتا قد نجّد ، وفي وجهه فرش ممهدة ، وعليها شاب ينال فرع شعره كتفيه ، والناس حوله سماطين « 1 » ، فقلت في نفسي : هذا الأمير الذي يحكي لنا جلوسه وجلوس الناس حوله . فقلت وأنا ماثل بين يديه : السلام عليك أيها الأمير ورحمة اللّه ! قال : فجذب رجل بيدي وقال : ليس بالأمير ، اجلس . قلت فمن هو ؟ قال : عروس . قلت : وا ثكل أمّاه ! لربّ عروس بالبادية قد رأيته أهون على أصحابه من هن أمه ! فلم ألبث أن أدخلت الرجال عليها هنات مدوّرات من خشب ، أما ما خف منها فيحمل حملا ، وأما ما ثقل فيد حرج ؛ فوضعت أمامنا وتحلّق القوم عليها حلقا ، ثم أتينا بخرق بيض فألقيت عليها ؛ فهممت واللّه أن أسأل القوم خرقة منها أرقع بها قميصي ، وذلك أني رأيت لها نسجا متلاحما لا يتبين له سدى ولا لحمة ؛ فلما بسط القوم أيديهم ، إذا هو يتمزق سريعا ، وإذا صنف من الخبز لا أعرفه ؛ ثم أتينا بطعام كثير من حلو وحامض ، وحارّ وبارد ، فأكثرت منه وأنا لا أعلم ما في عقبه من التخم والبشم « 2 » ؛ ثم أتينا بشراب أحمر في عساس « 3 » بيض ؛ فلما نظرت إليه قلت : لا حاجة لي به ؛ لأني أخاف أن يقتلني ! وكان إلى جانبي رجل ناصح لي - أحسن اللّه عني جزاءه ! - كان ينصحني بين أهل المجلس ؛ فقال لي : يا أعرابي ، إنك قد أكثرت من الطعام فإن شربت الماء همى « 4 » بطنك . فلما ذكر البطن ، ذكرت شيئا أوصاني به الأشياخ ، قالوا : لا تزال حيا ما دام بطنك شديدا ، فإذا اختلفت فأوص . فلم أزل أتداوى بذلك الشراب ولا أملّه ، حتى داخلني به صلف لا أعرفه من نفسي ولا عهد لي به ، واقتدار على أمري ؛ وكان إلى جانبي الرجل الناصح لي ؛ فجعلت نفسي تحدثني بهتم أسنانه مرة ، وهشم أنفه أخرى ؛ وأهم أحيانا أن أقول له : يا ابن الزانية ! فبينا نحن كذلك ، إذ هجم علينا شياطين أربعة :
--> ( 1 ) سماطين : مثنى سماط ، وهو الصفّ . ( 2 ) بشم : أتخم حتى سئم . ( 3 ) العساس : جمع عس ، وهو القدح الضخم . ( 4 ) همى : سال .